يحمل عمران مكة المكرمة أثر تاريخ طويل تكوّنت خلاله هوية معمارية مرتبطة بمكانة المكان الدينية، ومتفاعلة مع بيئته الجغرافية والمناخية والاجتماعية، فأنتجت طرازًا يجمع الوظيفة والجمال ويجعل المبنى سجلًا حيًا لحياة المجتمع المكي وتحولاته.

وتحضر هذه الملامح مع الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة 2026، الموافق 5 أكتوبر من كل عام، الذي اختار له الاتحاد الدولي للمعماريين شعار "السكن حق من حقوق الإنسان.. فلنبنه"، تأكيدًا لدور العمارة في توفير بيئات ملائمة ومستدامة تراعي خصوصية المكان والثقافة.

فقد ولدت العمارة المكية من بيئتها؛ إذ دفع موقع المدينة بين الجبال وحرارة مناخها وطبيعة حياتها الاجتماعية إلى حلول متوارثة استخدمت المواد المحلية وراعت التهوية والإضاءة والخصوصية والجمال، كما تأثرت بكون مكة ملتقى للحجاج القادمين من ثقافات متعددة، فتنوعت أساليبها وتفاصيلها. واعتمد البناء على مواد من البيئة، أبرزها الخشب في العناصر الإنشائية والزخرفية كالرواشين والأبواب والأسقف، بما يكشف معرفة البنّاء المكي بالتعامل مع الحرارة والرطوبة وتحقيق العزل والتظليل.

وتتصدر الرواشين سمات البيت المكي التقليدي؛ فهذه النوافذ والشرفات الخشبية البارزة تنظم دخول الضوء والهواء وتخفف وهج الشمس وتحفظ خصوصية السكان وتجمّل الواجهات، وتتميز في منطقة مكة المكرمة بأحجامها وارتفاعاتها وتنوع زخارفها وامتدادها على واجهات الأدوار العليا. أما داخليًا، فقد عُرف البيت بعناصر كالدهليز والمجلس والصفة وغرف المبيت والمركب، في توزيع يعكس الحياة العائلية في البيت الحجازي، إلى جانب الزخارف الخشبية المحفورة والعناصر الجبسية والمداخل والممرات.

وفي هذا الإطار، أطلقت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة "عمارة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة"، وهي موجهات عمرانية تستند إلى إرث العاصمة المقدسة للارتقاء بالمشهد الحضري وجودة الحياة والجمع بين الجمال والوظيفة والاستدامة، وتستلهم مفردات تقليدية مثل الرواشين والنوافذ المقوسة والمداخل ذات التجويفات والمظلات والأنماط الشبكية والألوان المستوحاة من درجات الأرض.

ولا يعني استلهام التراث استنساخ الماضي، بل إعادة قراءة ما راكمته البيئة المحلية من حلول وقيم جمالية وتوظيفها لاحتياجات المدينة الحديثة، لتواصل مكة بناء عمرانها الحديث حاملًا أثر القديم، وتبقى عمارتها شاهدًا على تحويل المكان إلى ذاكرة والموروث إلى هوية متجددة.