على مدى عقود، كان النجر حاضرًا في المجالس والبيوت السعودية أداةً لا غنى عنها في تجهيز القهوة، قبل أن يغدو اليوم رمزًا ثقافيًا يستدعي معاني الجود والضيافة، خصوصًا في المجتمع المكي الذي ارتبطت حياته باستقبال الحجاج والمعتمرين القاصدين المسجد الحرام.
وينتمي النجر إلى طقم متكامل يُعرف شعبيًا بـ«المعاميل»، يبدأ بالمحماس الذي يُحمَّص فيه البن، ثم المبرد الذي يُبرَّد فيه ويُنقّى، فالنجر الذي يُدق فيه، وصولًا إلى الدلة التي تُطبخ فيها القهوة وتُصب للضيوف. ولم يكن صوت دق البن مجرد عمل منزلي، بل اقترن في الذاكرة الشعبية بقدوم الضيف والتهيؤ لاستقباله.
وتكشف هذه الأدوات مهارة الحرفيين المحليين، إذ صُنعت من النحاس والحديد والخشب، وتباينت أشكالها وأحجامها ونقوشها بحسب البيئات وما توافر فيها من خامات، فحملت كل قطعة شيئًا من خصوصية المنطقة التي صُنعت فيها.
أما الدلة فهي أبرز قطع المعاميل، وقد اقترنت تاريخيًا بمعاني الكرم، وكانت علامة على تقدير الضيف وحرص المضيف على إكرامه. وفي مكة المكرمة ظلت القهوة المقدمة في الدلال جزءًا من مشهد الضيافة المتوارث، وما زالت هذه الأدوات حاضرة في المجالس التراثية والفعاليات المعنية بالموروث الشعبي.
ومع انتشار الأجهزة الحديثة والحافظات الحرارية، تراجع الاستخدام اليومي لهذه الأدوات، وصارت الدلة في أحيان كثيرة قطعة تراثية تُعرض في المتاحف والمعارض والفعاليات الوطنية أكثر منها أداة للاستعمال اليومي، دون أن تفقد مكانتها أيقونةً للضيافة السعودية.
ويؤكد هذا التحول أهمية صون هذا الإرث، لا بحفظ الأدوات وحدها، بل بتوثيق المعارف المرتبطة بها، من طرق تحميص البن وتجهيزه إلى آداب تقديم القهوة ومراسم الضيافة، ونقلها إلى الأجيال المقبلة بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية للمملكة.


